النووي
7
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي )
« مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ كَفَرَ » ، وَلَوْ سَبَقَ لِسَانُهُ إِلَيْهِ بِلَا قَصْدٍ لَمْ يُوصَفْ بِكَرَاهَةٍ ، بَلْ هُوَ لَغْوُ يَمِينٍ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا ثَبَتَ فِي « الصَّحِيحَيْنِ » أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ » . السَّادِسَةُ : إِذَا قَالَ إِنْ فَعَلْتُ كَذَا ، فَأَنَا يَهُودِيٌّ ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ ، أَوْ بَرِىءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، أَوْ مِنَ الْإِسْلَامِ ، أَوْ مِنَ الْكَعْبَةِ ، أَوْ مُسْتَحِلٌّ الْخَمْرَ أَوِ الْمَيْتَةَ ، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا وَلَا كَفَّارَةَ فِي الْحِنْثِ بِهِ ، ثُمَّ إِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ تَبْعِيدَ نَفْسِهِ عَنْهُ لَمْ يَكْفُرْ ، وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الرِّضَا بِذَلِكَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ إِذَا فَعَلَهُ ، فَهُوَ كَافِرٌ فِي الْحَالِ . قُلْتُ : قَالَ الْأَصْحَابُ : وَإِذَا لَمْ يَكْفُرْ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى ، فَلْيَقُلْ : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، وَيُسْتَدَلُّ بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : « مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ : بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى ، فَلْيَقُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ » . وَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا لِكُلِّ مَنْ تَكَلَّمَ بِقُبْحٍ أَنْ يَسْتَغْفِرَ اللَّهَ . وَتَجِبُ التَّوْبَةُ مِنْ كُلِّ كَلَامٍ قَبِيحٍ مُحَرَّمٍ ، وَسَتَأْتِي صِفَةُ التَّوْبَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ . وَقَدْ ذَكَرْتُ فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَذْكَارِ جُمَلًا كَثِيرَةً مِنْ حُكْمِ الْأَلْفَاظِ الْقَبِيحَةِ ، وَاخْتِلَافِ أَحْوَالِهَا وَطُرُقِ الْخُرُوجِ مِنْهَا . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - . السَّابِعَةُ : قَالَ أَهْلُ اللِّسَانِ : حُرُوفُ الْقَسَمِ ثَلَاثَةٌ الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالتَّاءُ الْمُثَنَّاةُ فَوْقُ ، قَالُوا : وَالْأَصْلُ الْبَاءُ وَهِيَ مِنْ صِلَةِ الْحَلِفِ ، كَأَنَّ الْقَائِلَ يَقُولُ : حَلِفْتُ بِاللَّهِ ، أَوْ أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ ، أَوْ آلَيْتُ بِاللَّهِ ، ثُمَّ لَمَّا كَثُرَ الِاسْتِعْمَالُ وَفُهِمَ الْمَقْصُودُ ، حُذِفَ الْفِعْلُ ، وَيَلِي الْبَاءَ الْوَاوُ ، لِأَنَّ الْبَاءَ تَدْخُلُ عَلَى الْمُضْمَرِ تَقُولُ : بِكَ وَبِهِ لَأَفْعَلَنَّ ، كَمَا تَدْخُلُ فِي الْمُظْهَرِ ، وَالْوَاوُ تَخْتَصُّ بِالْمُظْهَرِ فَتَأَخَّرَتْ ، وَالتَّاءُ بَعْدَ الْوَاوِ ، لِأَنَّهَا لَا تَدْخُلُ إِلَّا عَلَى « اللَّهِ » ، فَإِذَا قَالَ بِاللَّهِ - بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ - لَأَفْعَلَنَّ ، فَإِنْ نَوَى الْيَمِينَ ، أَوْ أَطْلَقْ ، فَهِيَ يَمِينٌ لِاشْتِهَارِ الصِّيغَةِ بِالْحَلِفِ لُغَةً وَشَرْعًا .